memo الإدارة

 سجّل في : 05 أبريل 2008 عدد المساهمات : 44
| موضوع: تفسير سورة العصر للشيخ عبدالكريم الخضير الثلاثاء ماي 13, 2008 9:20 pm | |
| تفسير سورة العصر
مَدْخَلْ لِتَفْسِير هذهِ السُّورَة
سُورة العصر على قِصَرِها ، سُورةٌ جامِعَة شَامِلَة ، كما تَفضل بخير الدُّنيا والآخرة بالعلم والعمل، بالعمل الخاص ، والعمل المُتَعدِّي ، وجاء عن الإمام الشَّافِعي رحمه الله تعالى أنَّهُ قال : لو مَا أنْزَلَ الله على خلقِهِ إلا هذه السُّورة لَكَفَتْهُم ، وبالإمكانْ في تفسير هذه السُّورة أنْ يَتكلَّم المُتحدِّثْ عن جميع أبواب الدِّينْ ؛ لأنَّها في ألفاظِها الوجيزة كُلُّ لَفْظٍ يدخل تحتهُ أبواب كثيرة من أبواب الدِِّينْ .
هل السورة مكية أم مدنية ؟
هذه السُّورة سُورةٌ مَكيَّة في قول الأكثر ، وقال بعضُهُم إنَّها مدنِيَّة .
مِمَّا يُذْكَرُ فيها مِنَ الأخبار
ـ هذه السُّورة جاء عن الصَّحابة رضوان الله عليهم أنَّهُم كانوا إذا التقى أحدُهُم بالآخر لم يَفْتَرِقا حتَّى يقرأ أحدُهُم أو أحدُهُما سُورة العصر .
ـ وجاء فيها من الأخبار ممَّا يَذْكُرُهُ المُفَسِّرون أنَّ من قرأ سُورة العصر كان مِنَ الذِّينَ آمنُوا وعملُوا الصَّالحات وتواصوا بالحقِّ وتواصُوا بالصَّبر هذا وإنْ تَواطَأ عليه وعلى ذِكْرِهِ أكثر المُفَسِّرينْ إلا أنَّهُ لا أَصْلَ لهُ .
ـ ومِمَّا يُذْكَرُ فيها مِنَ الأخبار أيضا : أنَّ عمرو بن العاص قبل أنْ يُسْلِمْ رضي الله عنهُ ذهب إلى مُسَيْلمة ، فسألهُ مُسيلمة ماذا أُنْزِلَ على صَاحِبكم ؟ فقرأ عليهِ سُورة العصر، فقال : إنِّي أُنْزِل عليَّ مِثْلُها ، فقال : ماذا ؟ فقال : من تُرَّهاتِهِ وسَخافاتِهِ التِّي تُذكَرُ عنهُ فيما يُعارِضُ بِهِ القُرآن ، نسأل الله السَّلامة والعافية ، فقال : يا وَبْرُ يا وَبْر ، إنَّما أنْتَ أذُنانِ صدْر ، وسَائِرُكَ حفزٌ وقَفْر، فقال :ماذا تقولُ يا عم ؟ قبل أنْ يُسْلِمْ ، والعدو يَفْرح بِمثلِ هذا الكلام الذِّي يُعَارضُ بِهِ كلام عدوِّهِ ؛ لكنَّ عمراً قال : والله إنِّكَ لَتَعْلَمْ أنِّي أعلم أنَّكَ كَاذِبْ ، و هذا قبل أنْ يُسْلِم عمرو ، وأُثِرَ عن مُسيلمة مِنْ أمثال هذه الأقوال السَّاقِطَة التِّي لا يُعارضُ بِها الكلامُ العاديّ فضلاً عنْ أفَْصِح الكلام ، وَأُثِرَ أَيْضاً عَنْ أَبِي العَلاء المَعَرِّي الزِّنْدِيقْ المَعْرُوفْ الشَّاعِر أنَّهُ عَارَضَ القُرْآن بِكِتَابٍ مَطْبُوعٍ ومُتَدَاوَلْ اسْمُهُ الآياتُ البَيِّنَاتْ في مَواعِظْ البَرِيَّاتْ ، وكانَ أَصْلُهُ فِي مُعَارَضَةِ الآيَاتْ ، والله جلَّ وعلا تَحَدَّى الخَلْق ، تَحَدَّى العَرَبْ الذِّينَ هُمْ أَفْصَحُ مَنْ نَطَقْ أنْ يَأْتُوا بِمِثْلِهِ ، ثُمَّ تَحَدَّاهُم بِعَشْرِ سُوَرْ فَلَمْ يَسْتَطِيعُوا ، ثُمَّ تَحَدَّاهُم بِسُورة ولو كَانَتْ أَقْصَرْ السُّوَرْ ، سَواءٌ كَانَتْ كهذهِ السُّورة أو كَانَت سُورة الكَوْثَرْ مَثَلاً ؛ لَكِنَّهُ لَمْ يَقَعْ التَّحَدِّي بِآيَة ، وَقَعَ التَّحَدِّي بِسُورة ؛ ولَكِنَّهُ لَمْ يَقَعْ التَّحَدِّي بِآيَة وذَلِكُم ؛ لأنَّ العَرَبْ لا يَعْجَزُ الوَاحِدُ مِنْهُم أنْ يَقُول {ثُمَّ نَظَرَ } [ المُدَّثِّر/ 21 ] ، أو يَقُول {مُدْهَامَّتَانِ } [ الرحمن / 64] ، وهُما آيَتَانْ ؛ لَكِنْ آيَة بِقَدْرِ أقِصر سُورة لا يَسْتَطِيع العَرَبْ ولوْ اجْتَمَعُوا أنْ يَأْتُوا بِمِثْلِهِ ، فَكَيْفَ بِمِثْلِ هذا الكَلام المُضْحِك للصِّبْيَانْ ؟ فَكَيْفَ يُقَالْ أنَّ ِمِثْلِ هذا مُعَارضة أوْ يُؤْخَذ لَهُ شيءٌ في الاعْتِبَارْ ؟ هذا كُلُّهُ هَذَيَانْ أشْبَه بِكَلام المَجَانِينْ الذِّي لا مَعْنَى لَهُ {أَفْتَرَى عَلَى اللَّهِ كَذِباً أَم بِهِ جِنَّةٌ [ سبأ / 8 ] هذا شبه الجُنُون .
ـ جَاءَ أيْضاً فِي هذهِ السُّورة مَا ذَكَرَهُ الرَّازِي في تَفْسِيرِهِ ، وهُو أنَّ امْرَأةً تَجُوبُ شَوَارِع المَدِينَة وسِكَكَها ، تَبْحَثُ عن النَّبي صلَّى الله عليه وسلَّم، فَدُلَّتْ عليهِ ، فقالت : يا رَسُول الله أنَّها شَرِبَتْ، تَعْنِي الخَمْر ، ثُمَّ زَنَتْ ، ثُمَّ وَلَدَتْ مِنَ الزِّنَا، فَقَتَلَتْهُ ، تَقُول إنَّها شَرِبَتْ الخَمْر ، ثُمَّ زَنَتْ بَعْدَ أنْ شَرِبَتْ ، ثُمَّ وَلَدَتْ من الزِّنَا ، ثُمَّ بَعْدَ ذَلِكَ قَتَلَتْ هذا الوَلَدْ ، هذهِ العَظَائِمْ التِّي ارْتَكَبَتْها ، والخَبَرْ سَيَأْتِي الكَلامُ عليهِ ، يَقُول الرَّازِي في سِيَاقِ خَبَرِهِ هذا إنَّ النبي عليهِ الصَّلاةُ والسَّلام قالَ لَهَا : أمَّا الخَمرُ فَفِيهِ الحَد ، وأمَّا الزِّنا فَلَعَلَّكِ لَمْ تُصَلِّ العَصْرْ ، وأمَّا القَتْلْ فالنَّارْ ، هَكَذا قَالَ الرَّازِي فِي تَفْسِيرِهِ ـ فِي تَفْسِيرِ هذهِ السُّورَة ـ ونَقَلَهُ عَنْهُ الآلُوسِي فِي رُوح المَعَانِي ، وقال تَفَرَّدَ بِذِكْرِهِ الإمام ـ يَقْصِدُ بِذَلِكَ الرَّازِي ـ وإذا أُطْلِقَ في كُتُب المُتأَخِّرِينْ لاسِيَّمَا ممَّنْ يَنْتَسِبُ إلى مَذْهَبْ الشَّافِعِي الإمام فَهُو المَقْصُود الرَّازِي ، ثُمَّ قَالَ الآلُوسِي : ولَعَمْرِي إنَّهُ إمَامْ فِي نَقْلِ ما لا يَعْرِفُهُ أهْل الحَدِيث ، فهل هذا مَدْحٌ أَوْ ذَمْ ؟ ذمَّ ذَمًّا شَدِيد ، ولِهَذا الحَدِيثْ لا أَصْلَ لَهُ ، لا يُوجَدُ فِي دَوَاوِينْ الإسْلام المُعْتَبَرَة ، ومِثْلُ هذا الخَبَرْ إذا بُحِثَ عَنْهُ فِي الدَّوَاوِينْ المَعْرُوفَة منْ الصِّحَاحْ ، والسُّنَنْ والمَسَانِيدْ ،والجَوامِعْ ،والمَعَاجِمْ ،والمُسْتَخْرَجَاتْ فَمَا وُجِد ، هذهِ أَمَارَة وعَلامَة مِنْ عَلامَات وَضْعِهِ، ومِمَّنْ قَالَ بِهَذا الكَلام الرَّازِي في المَحْصُولْ ، فَلَمْ يُوجَدْ هذا الخَبَرْ إلاّ عِنْدَ الرَّازِي وَقَدْ تَفَرَّدَ بِهِ ، وَلَيْسَ مِنْ أهْلِ الرِّوَايَة، فالخَبَرْ لا أَصْلَ لَهُ ، وتقدم كلام الآلُوسِي فيه .
هذهِ السُّورَة كَغَيْرِها من سُوَرْ القُرْآنْ عَدَا بَرَاءَة صُدِّرَتْ بالبَسْمَلَة ، فَالبَسْمَلَة في المَصَاحِفْ التِّي أَجْمَعَ عليها الصَّحَابَة وأرْسَلَها عُثْمَانْ إلى الأمْصَارْ فِيها البَسْمَلَة مُثْبَتَة في مئة وثَلاثَ عَشْرَةَ سُورَة في جَمِيع سُوَرْ القُرآنْ عَدَا بَرَاءَة ، والخِلاَف مَعْرُوفْ بَيْنَ أهْلِ العِلْم ، هل البَسْمَلَة آيَة مِنْ كُلِّ سُورة أوْ لَيْسَتْ بِآيَةٍ مُطْلَقاً ؟ أَوْ هِيَ آيَة وَاحِدَة نَزَلَتْ لِلْفَصْلِ بَيْنَ السُّوَرْ ؟ فَمِنْهُم مَنْ يَقُول أنَّها آيَة مِنْ كُلِّ سُورة ، يَعْنِي أنَّ البَسْمَلَة مئة وثَلاث عَشْرَة آية بِعَدَدِ السُّوَرْ التِّي صُدِّرَتْ بِها مَعَ إجْمَاعِهِمْ على أنَّها بَعْضُ آيَةٍ في سُورة النَّمْل ، واتِّفَاقِ أهل العلم على أنَّها لَيْسَتْ بِآيَة في صَدْرِ بَرَاءَة ، هذا القول يَسْتَنِدُ وهُو إثْبَات أنَّ البَسْمَلَة آيَة مِنْ كُلِّ سُورة إلى اتِّفَاق الصَّحابة على كِتَابَتِها مع اجْتِهَادِهِمْ في تَخْلِيصِ القُرْآنْ مِنْ كُلِّ مَا لَيْسَ بِقُرآنْ، فذكْرِهم اتِّفَاقٌ مع ذكْرِها في مئة وثلاث عَشْرَة مَوْضعاً يَدُلُّ على أنَّها آيَة ،وبِهذا يَقُولُ جَمْعٌ من أهل العِلْم .
والقولُ الثَّانِي : أنَّها لَيْسَتْ بِآيَة مُطْلَقاً إلا فِي سُورة النَّمْل بَعْضُ آيَة ، أمَّا في سُورة النَّمْل فهذا أَمْرٌ مُتَّفَقٌ عليهِ ، وبَرَاءَة أيضاً مُتَّفَقٌ على أنَّها لَيْسَتْ بِآيَة، فَمِنْ أهلِ العِلْم مَنْ يَرَى أنَّها لَيْسَتْ بِآيَة مُطْلَقاً عَدَمْ اسْتِثْنَاءْ ، وهذا مَعْرُوفٌ عِنْدَ المَالِكِيَّة ، ومنهُم مَنْ يَرَى أنَّها آيَة واحِدَة نَزَلَتْ لِلْفَصْلِ بَيْنَ السُّوَرْ ، نَزَلَتْ لِلْفَصْلِ بَيْنَ السُّوَرْ ، وبِهَذا يَقُولُ بَعْضُ الحَنَفِيَّة كالجَصَّاصْ ويَمِيلُ إليْهِ شيخُ الإسْلام ابن تَيمية رحِمهُ الله، إذا قُلْنَا إنَّها آيَة مِنْ كُلِّ سُورة ، أوْ قُلْنَا إنَّها آيَة وَاحِدَة نَزَلَتْ لِلْفَصْلِ بَيْنَ السُّوَرْ ، هل هُناكَ فَرْق ؟ فإذا قَرَأ الإنْسَانْ فِي تِلاوَتِهِ لِلْقُرْآنْ مِئَة وثَلاثَ عَشْرَة مَرَّة سَواءً كانَتْ مِئَة وثَلاثَ عَشْرَة آيَة أوْ آيَة واحِدَة نَزَلَتْ لِلْفَصْلِ بَيْنَ السُّوَرْ يُكَرِّرُها مِئَة وثَلاثَ عَشْرَة مَرَّة ، الأجْرُ واحِدْ كُلُّ حَرْفٍ بِعَشْرِ حَسَنَاتْ سَواءٌ كَانَتْ آيَة واحِدَة أوْ مِئَة وثَلاث عَشْرَة آيَة ، هل مِنْ فَائِدَة لِمِثْلِ هذا الخِلافْ ؟ نعم هناك فائدة فإذا لَمْ تَكُنْ آيَة لا تَخْتَل قِراءتُهُ للسُّورَة ، إذا لَمْ يَقْرَأْها من الفاتِحة لَمْ تَبْطُل صَلاتُهُ ، فيما لَوْ كَانَتْ آيَة بَطَلَتْ صَلاتُهُ إذا لَمْ يَقْرَأها من الفاتِحَة .على كُلِّ حَال هذه أقْوَالُ أهل العِلْم ، وكأنَّ الذِّي مَالَ إليْهِ شيخُ الإسلام مُتَّجِه ؛ لأنَّ الأدِلَّة على كَوْنِها لَيْسَتْ بِآيَة مِنْ كُلِّ سُورة لِها حَظٌّ من النَّظر ، ولوْ لَمْ يَكُنْ من الأدِلَّة على ذلِك إلاّ الخِلاف فِي كَونِها آيَة ؛ لأنَّ القُرْآنْ مَقْطُوعٌ بِثُبُوتِهِ ، ومعَ وُجُودِ مِثْلِ هذا الخِلاف لا يُقْطَعُ بِثُبُوتْ البَسْمَلَة مِنْ كُلِّ سُورة .يَقُولُ اللهُ جلَّ وعلا {وَالْعَصْرِ } الوَاوْ حَرفُ قَسَمْ ( وَالْعَصْرِ ) هُو الدَّهْر ، وأَقْسَمَ اللهُ بِهِ جَلَّ وعَلا لِمَّا يَحْصُلُ فِيهِ مِنْ أَعَاجِيبْ ، فالدَّهْر مِنْ أَوَّل الدُّنْيَا إلى آخِرِها يُقَالُ لَهُ العَصْر ، وقَدْ يُطْلَقُ العَصْر ويُرَادُ بِهِ فَتْرَة مِنَ الزَّمَنْ ، العُصُور الإسْلامِيَّة مَثَلاً العَصْر النَّبَويّ ،عصْر الخُلَفَاء الرَّاشِدِينْ ، عَصْر بَنِي أُمَيَّة ، عَصْر بَنِي العَبَّاسْ وهكذا ، فَيُرَادُ بِهِ فَتْرَة من الزَّمَنْ يَشْمَلُها وَصْفٌ واحِدْ ، ولِذا قَالَ جَمْعٌ من المُفَسِّرِينْ ، أنَّ المُقْسَمْ بِهِ هُو العَصْر النَّبَويّ الذِّي هُو أعْظَم عُصُور الدُّنْيَا .ومِنْهُم مَنْ يَقُول إنَّ العَصْر عَصْر كُل إنْسَانٍ بِحَسبِهِ ؛ لأنَّهُ في الحَقِيقة هُو حَيَاتُهُ مِنْ وِلادَتِهِ إلى وَفَاتِهِ ، ولأهَميَّة هذا الوقتْ الذِّي وُجِدَ فِيهِ هذا الإنْسَانْ الذِّي يَنْبَغِي ؛ بَلْ يَجِبْ عليْهِ أنْ يَسْتَغل هذا الوَقْت بِفِعْلِ الوَاجِبَاتْ ، وتَرْكِ المُحَرَّمَاتْ بِتَحْقِيق عُبُودِيَّة الله جلَّ وعلا ؛ بَلْ العَصْر عِبَارة عن اللَّيَالِي والأيَّام المَحْدُودَة التِّي يَعِيشُها كُلُّ إنْسَانٍ بِحَسَبِهِ ، فهِيَ الخَزَائِنْ ، وهِيَ العُمُر كُلُّهُ ، عُمُرُ الإنْسَانْ كُلُّهُ من وِلادَتِهِ إلى أنْ يَمُوتْ ،واللَّيَالِي والنَّهَار كَمَا يقولُ أهلُ العلم هِيَ عِبَارة عَنْ خَزَائِنْ قِيمَتُها بِحَسَبِ قِيمة ما يُودَعُ فيها .
|
|